الشيخ محمد رشيد رضا
556
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم ان أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق ؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فانا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا . فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذف « 2 » عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون اليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن . وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فان أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يردّ إليك ذمتك فانا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال قد علمت الذي عاقدت لك عليه فاما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إليّ ذمتي فاني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له ، فقال أبو بكر فاني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار اللّه عز وجل اه المراد منه بعد الامر بالاستماع والاصغاء لتلاوة القرآن ، في سياق حصانة الأنفس من مس الشيطان ، أمرنا تعالى بالذكر العام الشامل للقرآن تلاوة وتدبرا ولغيره فان كل نوع من أنواع ذكره تعالى حصن للنفس وتزكية لها فقال
--> ( 2 ) وفي رواية يتقصف والمراد يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض حتى كأن كل أحد يقذف غيره ، وتقاذف الركاب تراميها وقد أخطأ من قال إن هذه الرواية لا معنى لها فالقذف هنا أظهر من القصف وهو الكسر - وكأنما يقصف بعضهم بعضا . وفي الأساس : وتقصف القوم : لجوا في خصومة أو وعيد